مقدمة:

الخطيئة الاجتماعية واقع نعيشه في عالمنا المحطم (فالحروب والمجاعات، وامتهان حقوق الانسان، وأنواع التمييز العنصري والثقافي والديني، العنف والإرهاب، نفي العدالة والحرية. إلخ)

لن أنسب لنفسي هذا الفكر، إنما للبابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني وخصوصاً في رسالته: ” بشأن المصالحة والتوبة في رسالة الكنيسة اليوم “. ولكني أحببت أن أكتب بقلمي فكر البابا ملخصاً تعليمه ومبيناً مفهوم الخطيئة الاجتماعية، من أين أتت؟ ومن هو المسؤول؟ ونظرة الكنيسة لها. عسى أن تلقى هذه الكلمات عقولاً وضمائر تنضج بها فكرة القداسة والسعي لإنعاش الخير العام في كل مجتمع تصل إليه.

مفهوم الخطيئة الاجتماعية:

يتكلم الكتاب المقدس في عهديه عن الخطيئة مظهراً إياها كفعل مخالفة أو إثم أو تمرد أو ظلم، وبشكل عام كفعل شر يُصنع أمام عيني الله. فالخطيئة إذن هي من صنع حرية الإنسان، إذ إنه هو الذي يخالف ويتمرد ويصنع الشر أمام الله. في رواية المعصية لأبوينا الأولين آدم وحواء (تكوين 3) وفي رواية برج بابل (تكوين 11) نجد الناس قد أرادوا أن يُقيموا مجتمعاً ويكونوا بمعزل عن الله، لا ضده؛ وفي كلتا الخطيئتين يعبر الإنسان عن استبعاد الله ومقاطعته ومعصيته، وبالتالي هذا هو حال البشرية على مر العصور. فالمقاطعة والمعصية يشكلان ما ندعوه الخطيئة على اختلاف أشكالها. وهذه المعصية لله جلبت معها الانقسام بين الإخوة والعائلة والمجتمع والعالم: نرى هذا في سفر التكوين (3: 12) عندما ألقى كل من آدم وحواء الاتهام على الآخر وأيضاً قتل الأخ أخاه (4: 2 -16).

بارتكابه الخطيئة يصبح الإنسان ممزق الروابط وينشاً في داخله صراع إذ إنه رفض الخضوع لله. وهذا ما قد يزعزع الروابط بي الأفراد والمجتمعات إذ إن كل إنسان خاطئ، على حد قول يوحنا الرسول: ” إذا قلنا إننا بلا خطيئة، خدعنا أنفسنا، ولم يكن الحق فينا ” (1يوحنا 1: 8-9). من هنا وجب التكلم عن تأثير الإنسان الخاطئ على المجتمع، حيث تتحول الخطيئة من شخصية إلى جماعية.

من أين أتت؟

الخطيئة تبقى فردية وشخصية وفقاً لما يصدر عن حرية الإنسان، فهي فعل فردي، وقد يكون لهذا الفعل أسبابه وظروفه، فالتقاليد والعادات الاجتماعية التي تقوم عليها المجتمعات، تلعب دوراً كبيراً في حياة الفرد وتجعله، أحياناً، مقيداً ومرتبطاً، إلى حدٍ ما، فيها. فهناك خطايا تمس القريب بصورة مباشرة، فعدم تطبيق العدل مثلا في العلاقات بين الأشخاص والمجتمع، ومس حقوق الإنسان (تمييز عنصري، إجهاض، مجاعات وحروب، اللامساواة وعدم التوازن الاجتماعي، وسلب الحريات…) وعدم احترام الزواج ووثاقه غير المنفصم، وعدم احترام العائلات والإباحية التي تضرب المواقع الحساسة من الحياة البشرية والمجتمع، وعيش اللامبالاة بقول الحق والصدق، وطغيان المصلحة الخاصة وتضاؤل الشعور بالخير العام الصحيح، وما إلى هنالك من قضايا تمس الإنسانية وتجعلها منحطة.

فعدم تحقيق قصد الله في العالم، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات القائمة بين الجماعات البشرية، يجعل الخطيئة ذات طابع اجتماعي. الخطيئة الاجتماعية تأتي من تركيبة المجتمع ذاته فكل مجموعة من جماعات المجتمع كمؤسسات الدولة الرسمية والشركات والمؤسسات العامة والخاصة وحتى الكنسية منها وكل جماعة لها تركيبتها التي تؤدي إلى ترجمة ما ذكرت من نكران للحق وتعدي على حقوق الإنسان، وقد تطال تعاليم الله ووصاياه التي تهم الإنسان وتهدف إليه مباشرة. فالخروج عن القصد الالهي الذي هو الحق يؤدي لما يسمى انحراف الضمير الجماعي، حيث أن التمرس الدائم في الخطيئة يجعل الخاطئ فاقد البصيرة، فتنشاً عندئذ ” أزمة الحقيقة “، حيث إن كل إنسان ينظر بمنظاره الفردي للحقيقة، ” فتنبت تلك الآراء التي تحث شرخاً بين الشريعة الأخلاقية والضمير “، وبالتالي عدم معرفة كيفية العيش بحسب قصد الله ومشيئته، لأن داء العمى أصاب كل إنسان مندمج ومنخرط في هذا الضمير الجماعي. من هنا أستطيع القول إن الإنسان إذا نظر بمنظار الله وما تقضيه مشيئته يستطيع أن يميز بين الحقيقة التي يجب أن تعاش والواقع المعاش وبالتالي أن يحقق قصد الله الذي هو الحب والسلام والخير العام.

من هو المسؤول؟

إن الكنيسة، عندما تتحدث عن بعض حالات الخطيئة وتصرفات بعض الفئات الاجتماعية وحتى بموقف أمم بكاملها أو مجموعة أمم، تعرف وتعلن أن هذا النوع من الخطايا الاجتماعية هو نتيجة عدة خطايا فردية شخصية متراكمة.

إن المسؤولية تقع على عاتق الشخص، إذ أنه إنسان حر، رغم كل الظروف الجتماعية التي يتعرض لها ويعيشها الشخص البشري. فلا يجب أن نلقي التهمة على المجتمع في كل الأحيان رغم كل ما ذكرناه من وقائع اجتماعية لأن الفاعل يبقى تقريباً مجهول الهوية والأسباب معقدة وصعبة. لكن هذه الأسباب تخفف من مسؤولية الفرد وجرمه، دون أن تنفي ما هو مسؤول عنه من خطأ، لأنه إنسان حر، ولا يمكن تجاهل هذه الحرية بقصد تبرير خطيئة الأفراد بأسباب خارجية اجتماعية.

من هنا يجب العمل على الخروج من الضمير الجماعي الذي يُعمي بصيرة الإنسان عن الحقيقة، فيبدل الإنسان مسيرة حياته وبالتالي ” الأوضاع الفاسدة ” التي تحيط بمجتمعه. فيصح قول أليزابت لاسور: ” إن كل نفس ترتفع، ترفع العالم معها “. والعكس صحيح أيضاً فكل نفس تخطأ، أي تهبط، يهبط العالم معها. ولا يوجد أصعب من تلك الحالة التي يفقد بها الإنسان ضميره أو يجعله عرضة للفساد بتجميده أو تخديره، ومتى فقد الإنسان ضميره فقد الحس بالخطيئة ومعناها أيضاً. وهذا نوع من أنواع إنكار وجود الله، لأن فعل الخطيئة هو خروج عن نطاق طاعة الله وبنوته، وبذلك يعمل الإنسان على فقدان القيمة الأخلاقية التي تجعله إنساناً حقاً وحراً وتكسبه القيمة الإنسانية التي أعطاها الله له.

الكنيسة والخطيئة الاجتماعية:

إن الخطيئة الاجتماعية، وما لها من تأثير على سير العالم نحو الخلاص، الذي حققه الله بيسوع المسيح لمصالحة العالم، لا تغير مقصد الله الأمين.

فنرى الرب يسوع في بشارته آتياً ليخلص العالم لا ليدينه، نراه ماضياً يبحث عن الخروف الضال وغافراً للزناة والعشارين والخطأة، حتى وهو على الصليب غفر للذين صلبوه. هذا وبما أن الكنيسة هي علامة المصالحة وأداتها وهي الأم والمعلمة وهي الشاهد الوحيد لعمل الله الخلاصي في العالم، فإنها تحقق، بما هي عليه من سلطان ” سر المصالحة ” و ” تواصل بشارة المصالحة التي أعلنها السيد المسيح في قرى الجليل وفلسطين كلها، وتتكلم باسم السيد المسيح، متبنيه قول الرسول بولس: فنحن الآن سفراء المسيح، وكأن الله يدعوكم على يدنا، فنسألكم الآن، باسم المسيح، أن تصالحوا الله. وكل إنسان يلبي هذا النداء ينخرط في تدبير المصالحة، وهذا النداء هو شامل لكل الشعوب لأن الله بذبيحة ابنه صالح العالم بأسره، فالخلاص ارتدى ثوب الشمولية “(عدد10 من رسالة البابا يوحنا بولس الثاني).

إن الكنيسة بفضل ما لها من قوة أسرارية، تذكر بسر المسيح الفصحي وتجدده، هي ينبوع الحياة الذي يفيض لكي يمحو كل موت بالخطيئة، فدور الكنيسة في المجتمع والعالم هو في غاية الأهمية، فإنها لا تتردد في جهر شر الخطيئة والمناداة بضرورة التوبة وإعلان الحق الذي يُحرر. فإن حضورها في العالم لهو شهادة، فإذا كانت شهادتها حجر عثرة للعالم، بمعنى التضليل، فالويل لها لأنها لا تعمل بوصية معلمها ولا بحسب قصده الإلهي، وإذا كانت هي بحضورها حجر عثرة للعالم، بمعنى الاستيقاظ من غفوة الضمير، فهذه رسالتها وطوبى لها إن عملت بوصية معلمها وحسب قصده الإلهي.

بما أن الكنيسة تمتاز بطابع إلهي، فإذا رفعت نفسها وتسامى عملها، رفعت بذلك العالم بأسره، فيتحول ليصير فيه لا خطيئة اجتماعية بل قداسة اجتماعية وحياة اجتماعية ملؤها الحب والسلام والوئام والرجاء والأمل بالخلاص، ويصير العالم عائشاً في ظل ما سماه البابا بولس السادس ” حضارة المحبة “.

خاتمة:

” من ذا الذي يسيء إليكم، إذا كنتم على الخير غيارى ” (1 بطرس 3: 13). الرسول بطرس يناشد المؤمنين بكلام يقوي فعل الخير فيهم وفيما بينهم، ويقوي الرباط الأخوي الغيور المحب، ويقوي الرغبة الحارة والصادقة في الوحدة وواجب المحافظة عليها، ويحثهم على مبادلة الشر بالخير والصفح عن الإساءة ومحبة الأعداء.

أمام هذه الكلمات، التي تنعش من يقرأها أخلاقياً، نقف ونتأمل في حال عالم اليوم، أين الخير؟ أين الرباط الأخوي؟ أين الصفح والمحبة؟ أين نحن من فعل الخير هذا؟  أظن أنها دعوية شخصية لكل منا، فكما أن الخطيئة هي فعل فردي يصبح جماعي، بفضل قوة التضامن العجيبة بين الناس، كذلك، وبنفس قوة التضامن، إذا صنع الفرد خيراً، يصبح جماعياً. ولكي يصنع كل إنسان الخير يجب أن يكون ضميره صالحاً (1 بطرس 3: 16).

إني أرجو من الله أبينا أن يضرم قلب كل إنسان بالمحبة وفعل الخير وأن يصلح ضمير كل إنسان، ليعم السلام على الأرض كلها ونصبح أبناءً حقيقيين له تعالى. آمين.