لطالما تململت، في كل مرحلة من مراحل حياتي، من الذين، بشكل أو بآخر، لهم سلطة عليّ، إن كان من أهلي أو معلمي مدرستي أو مدراء وأساتذة معهدي وجامعتي ، أو مسؤولي عملي مهما كان ذاك العمل، أكان في الورشة أو دائرة حكومية أو حتى في كنيسة 

mannequin1.jpg

بالرغم من الحالة الطبيعية جداً، لدور كلٍ منهم، فإن تململي ينبع من معرفتي بأن ليس لهم غاية في فرض وعرض سلطتهم عليّ إلا أن يبرهنوا لذواتهم قبل أن يبرهنوا لي أنهم في موقع اتخاذ قرار، وليس لكي ينجح العمل الذي نقوم به، كلاً بحسب دوره، وهذا ما يُشعرني بالاشمئزاز أحياناً وأحياناً أخرى بالشفقة.

في تفكير عميق أدركت:

أن فوق كل صاحب سلطة هناك آخر ذو سلطان عليه، فإذاً ليس هناك أحد له سلطان مطلق.

شاء صاحب السلطة أم أبى، هو أيضاً، بشكل أو بآخر، تحت سلطان من الذين هم تحت سلطته، فإن هم سحبوا أنفسهم من الطاعة له فقد هو سلطانه.

حتى الله، تبارك وتعالى، كيف يكون له سلطان دون إنسان مؤمن؟ ولكن ..

لا يعني أن من له سلطان يُجرد منه، فقط لأن من تحت يديه تخلّوا عنه، أو لم يؤمنوا به.

فإذاً لنفهم أكثر أن عملية السلطة هي ليست من طرف واحد وليست بدون هدف، وإذا كانت السلطة بدون هدف فهذا يعني أنها وصاحبها فانيين، وليس لوجودهما أي معنى.

إن واقع الحياة يفرض موضوع السلطة، وهذا ليس بشيء سيء، فترتيب العلاقات، بشكل هرمي، بين الأفراد، هو أمر لا مفر منه، لا بل وضروري جداً، لثبات المبادئ والقيم ونجاح أي أمر من أمور الحياة.

تنطوي السلطة تحت نير الأخلاق أيضاً، وهي، أي السلطة، راسخة في حياة كل إنسان، منذ نشأته، وهي أيضاً تصنف ضمن المكتسبات في التربية .

السلطة لا تكون جيدة بدون مسؤولية، والمسؤولية هي اختيار وتمييز ما هو أفضل لي ولمن هم ضمن مسؤوليتي.

السلطة، بالدرجة الأولى، هي موضوع حب، الأمر الذي نغفل عنه كلنا، فلأني أحب، أفعل ما هو جيد للآخرين، وبالتالي نفهم أن الحب الجيد يثمر سلطة جيدة والعكس صحيح، أي أنه لا يمكن أن تكون سلطة جيدة دون حب جيد.

بدون هذا الحب، تصبح السلطة موضوع نزاع بين الأفراد، وهذا هو حال الإنسان منذ القديم وحتى يومنا وأعتقد إلى أن يفنى، وكل النزاعات، عبر التاريخ، كانت تدور حول السلطة، وهذا يشكل قناعة عندي، أي بدون الحب ستستمر كل النزاعات.

أحب أن نلقي نظرة على سلطة يسوع، فهو من يعرف جيداً كيف يُحب.

يبدو يسوع، في حياته العامة صاحب سلطة  فريدة في نوعها: فهو يعظ مثل من له سلطان (متى 7: 29). وله سلطة غفران الخطايا (متى 9: 6- 8)، وهو سيّد السبت (مرقس 2: 28). فهو يتمتع بسلطة ذات طابع روحي محض لا يتمالك أمامها اليهود من طرح هذا التساؤل باندهاش. بأي سلطان يفعل هذه الأمور (متى 21: 23) ؟ وعلى هذا السؤال لا يعطي يسوع إجابة مباشرة (متى 21: 27)، ولكن يعطي علامات توجَه الأذهان نحو الإجابة: له سلطان على المرض (متى 8: 8 – 9) وعلى عناصر الطبيعة (مرقس 4: 41) وعلى الشياطين (متى 12: 28). ويشمل سلطانه، حتى الأمور السياسية. وفي هذا الميدان، يرفض أن يستمدّ سلطانه من إبليس (لوقا 4: 5- 7). فإنه تقلّده بالحقيقة من الله. إلا أنه لا يتباهى بهذا السلطان أمام الناس. وبينما يستغل رؤساء هذا العالم ما لهم من سلطة للسيطرة على الآخرين، فهو يقف بين خاصته موقف من يخدم (لوقا 22: 25- 27). هو ربّ ومعلم (يوحنا 13: 13)، ولكنه أتى ليخدم وليبذل نفسه (مرقس 10: 42- 44) ولأنه هكذا اتخذ صورة العبد، فسوف تجثو له كلّ ركبة في النهاية (فيلبي 2: 5- 11). لذلك فإنه بعد قيامته، سوف يستطيع أن يقول لخاصته، إنه “أولي كل سلطان في السماء والأرض” (متى 28: 18).

إن موقف يسوع من السلطات الدنيوية مليء بالمعاني. فأمام السلطات اليهودية، يصرّ على أنه ابن البشر (متى 26: 63- 64)، وهذ اللقب يمنح له سلطاناً تشهد به الكتب المقدسة (دانيال 7: 14). أما أمام السلطة السياسية، فيتميز موقفه بمرونة أكبر. فهو يعترف باختصاص قيصر (متى 22: 21)، ولكن ذلك لا يجعله يتغاضى عن الظلم الواقع من ممثلي السلطة (متى 20: 25، لوقا 13: 32). فعندما يمثل أمام بيلاطس، لا يشكّك في سلطته التي يعرف أصلها الإلهي، وإنما يفضح ظلمها الذي يذهب هو ضحيته (يوحنا 19: 11)، ويقرّ لنفسه بمملكة ليست من هذا العالم (يوحنا 18: 36). فإذا كان كلّ من النظام الروحي والنظام الزمني يرجع إليه مبدئياً، إلا أنّه يكرس التمييز بينهما بوضوح، ويترك محلا للاستنتاج أن النظام الزمني حالياً، يحفظ، في دائرته، قيمة حقيقية، وهكذا ستستمرّ تلك الأوضاع لحين مجيئه في المجد.

عندما يستخدم يسوع سلطته ليشفي مريض فهذا حب.

 عندما يستخدم يسوع سلطته ليقوّم اعوجاج الفريسيين فهذا حب.

عندما يستخدم يسوع سلطته ليغفر للخطأة فهذا حب ..

عندما يستخدم يسوع سلطته ليطرد الشيطان من الإنسان ليعيد جمال صورته فهذا حب ..

عندما يترك التسعة والتسعين ويذهب ليبحث عن الضال فهذه مسؤولية وهذا حب

لنميز بين:

أمور السلطة وسلطة الأمور

ومحبوب السلطة وسلطة المحبوب

وسلطة الخطيئة وخطيئة السلطة

وسلطة الشر وشر السلطة

وسلطة الخير وخير السلطة

وسلطة الفكرة وفكرة السلطة

وسلطة العالم وعالم السلطة

وسلطة الظلمة وظلمة السلطة

وسلطة النور ونور السلطة

وقس على ذلك ..

وقولوا ما شئتم، فإن السلطة لها وجهان، واحد يخصني أنا وآخر يخصك أنت، واحد جيد وآخر سيء، واحد هدفه إيجابي يتجه لنمو الآخرين وآخر سلبي يهدف لنموي أنا على حساب الآخرين.

هذه الكلمات قد تُفهم أو تُقرأ على أنها نوع من استعراض سفسطائي، ولكن في الحقيقة نحن نضيع بين معانيها ونعيش حسب مقتضياتها دون أن نميز بينها.

في النهاية، تبقى السلطة موضوع حب، ومن أحبها لأجل تحقيق أهدافه فقط، فهو أناني وقلبه فارغ، أما من أحبها لأجل تحقيق خير الآخرين والخير العام، فهو ملك القلوب، وله تنحني الرؤوس، وبه يصبح الإنسان إنساناً، له كرامته وعزته.

فهل في قلبك حب للسلطة أم  للحب سلطان عليك؟