رسالة القدّيس بولس إلى أهل رومة (11: 25-36)

يا إخوَتِي، لا أُرِيدُ، أَيُّهَا الإِخْوَة، أَنْ تَجْهَلُوا هذَا السِّرّ، لِئَلاَّ تَكُونُوا حُكَمَاءَ في عُيُونِ أَنْفُسِكُم، وهوَ أَنَّ التَّصَلُّبَ أَصَابَ قِسْمًا مِنْ بَني إِسْرَائِيل، إِلَى أَنْ يُؤْمِنَ الأُمَمُ بِأَكْمَلِهِم.

وهكَذَا يَخْلُصُ جَميعُ بَنِي إِسْرَائِيل، كَمَا هُوَ مَكْتُوب: «مِنْ صِهْيُونَ يَأْتي المُنْقِذ، ويَرُدُّ الكُفْرَ عَنْ يَعْقُوب؛

وهذَا هُوَ عَهْدِي مَعَهُم، حِينَ أُزِيلُ خَطَايَاهُم».

فَهُم مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُم، أَمَّا مِنْ جِهَةِ ٱخْتِيَارِ الله، فَهُم أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاء؛

لأَنَّ اللهَ لا يَتَرَاجَعُ أَبَدًا عَنْ مَوَاهِبِهِ ودَعْوَتِهِ.

فكَمَا عَصَيْتُمُ اللهَ أَنْتُم في مَا مَضَى، وَرُحِمْتُمُ الآنَ مِنْ جَرَّاءِ عُصْيَانِهِم،

كَذلِكَ هُمُ الآنَ عَصَوا اللهَ مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكُم، لِكَي يُرْحَمُوا الآنَ هُم أَيْضًا؛

لأَنَّ اللهَ قَدْ حَبَسَ جَمِيعَ النَّاسِ في العُصْيَان، لِكَي يَرْحَمَ الجَميع.

فَيَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ! مَا أَبْعَدَ أَحْكَامَهُ عَنِ الإِدْرَاك، وطُرُقَهُ عَنِ الٱسْتِقصَاء!

فَمَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبّ؟ أَو مَنْ صَارَ لَهُ مُشِيرًا؟

أَو مَنْ أَقْرَضَهُ شَيْئًا فَيَرُدَّهُ اللهُ إِلَيْه؟

لأَنَّ كُلَّ شَيءٍ مِنْهُ وَبِهِ وَإِلَيْه. لَهُ المَجْدُ إِلى الدُّهُور. آمين.


إنجيل القدّيس مرقس (2: 1-12)

عَادَ يَسُوعُ إِلى كَفَرْنَاحُوم. وسَمِعَ النَّاسُ أَنَّهُ في البَيْت.

فتَجَمَّعَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنْهُم حَتَّى غَصَّ بِهِمِ المَكَان، ولَمْ يَبْقَ مَوْضِعٌ لأَحَدٍ ولا عِنْدَ البَاب. وكانَ يُخَاطِبُهُم بِكَلِمَةِ الله.

فأَتَوْهُ بِمُخَلَّعٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَال.

وبِسَبَبِ الجَمْعِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الوُصُولَ بِهِ إِلى يَسُوع، فكَشَفُوا السَّقْفَ فَوْقَ يَسُوع، ونَبَشُوه، ودَلَّوا الفِرَاشَ الَّذي كانَ المُخَلَّعُ مَطْرُوحًا عَلَيْه.

ورَأَى يَسُوعُ إِيْمَانَهُم، فقَالَ لِلْمُخَلَّع: «يَا ٱبْني، مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك!».

وكانَ بَعْضُ الكَتَبَةِ جَالِسِينَ هُنَاكَ يُفَكِّرُونَ في قُلُوبِهِم:

لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا الرَّجُلُ هكَذَا؟ إِنَّهُ يُجَدِّف! مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟.

وفي الحَالِ عَرَفَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُم يُفَكِّرُونَ هكَذَا في أَنْفُسِهِم فَقَالَ لَهُم: «لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا في قُلُوبِكُم؟

ما هُوَ الأَسْهَل؟ أَنْ يُقَالَ لِلْمُخَلَّع: مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك؟ أَمْ أَنْ يُقَال: قُمْ وَٱحْمِلْ فِرَاشَكَ وَٱمْشِ؟

ولِكَي تَعْلَمُوا أَنَّ لٱبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا أَنْ يَغْفِرَ الخَطَايَا عَلَى الأَرْض»، قالَ لِلْمُخَلَّع:

لَكَ أَقُول: قُم، إِحْمِلْ فِرَاشَكَ، وٱذْهَبْ إِلى بَيْتِكَ!.

فقَامَ في الحَالِ وحَمَلَ فِرَاشَهُ، وخَرَجَ أَمامَ الجَمِيع، حَتَّى دَهِشُوا كُلُّهُم ومَجَّدُوا اللهَ قَائِلين: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هذَا البَتَّة!».


الموعظة

نحن اليوم أمام إنسان كسيح مخلع، فاقد السيطرة، غير قادر على التحكم في أجزاء جسده الممدد على فراشه، وفي هذا دلالة.

نرى في هذا المخلع إنسان اليوم وقد كسحته الخطيئة والحروب وغوغائية المجتمع وفوضى اللامعنى وانعدام القيم، فأصبح غير قادر البتة على التحرك بحرية وعلى إصدار القرارات الهامة التي تناسب حياته كإنسان ذو قيمة.

أتوقف عند الفراش الذي يحملني، فأرى أنني مسمّر عليه، وما هو هذا الفراش إلا ذاك الألم وتلك المشكلة التي تحول دون تقدمي نحو الحياة؟. وأرى من حولي، أولئك الذين غلظت قلوبهم، فلا يريدون شفائي، يمانعون الحياة فيّ، وهم لا يدرون أنهم هم المخلعين وإن ظهروا غير ممددين على فراش.

عالم اليوم يظن أنه يقدم حضارة ويتقدم، إلا أنه لا يدري أنه بات منطرحاً على فراش الأنانية والكذب والخداع، وعلى فراش الجهل والغوغائية واستبدال المفاهيم، وعلى فراش الربح البخس والتملك، وعلى فراش الفشل في جعل الإنسان إنساناً، وعلى فراش الموضة والعادات والتقاليد، ..الخ.

لكل منا فراش يقوض ويأسر حريته، حتى من يظن أنه يعمل لحساب الله، فالتدين وجه من وجوه الشلل إذا لم يقودني إلى تحرير ذاتي.

لقد قدم لنا الآباء شرحاً متنوعاً لنص إنجيل اليوم، فمنهم من توقف عند الأشخاص الأربعة الذين حملوا المخلع ونبشوا السقف ودلوه أمام يسوع وقال عنهم أنهم الإنجيليون الأربعة الذين بإنجيلهم يحملونني ويضعونني أمام يسوع وبسبب إيمانهم يشفيني، ومنهم من قال عن الأربعة أن يدلون على الفضائل الأدبية وهي الفطنة والعدل والقناعة والشجاعة، ومنهم من ذهب ليظهر قوة سلطان يسوع على مغفرة الخطايا وإجراء المعجزات، ومنهم من علق على  امتعاض الكتبة الذين عارضوا مغفرة يسوع للمخلع .. الخ، ومنهم أنا..الذي رأيت نفسي مخلعةً طارحةً جسدي على فراش العالم، جاعلة منه سلعة تباع وتشترى وتتمايل به مع أهواء المجتمع ومتطلباته، ومكبلةً إياه في زوايا الصدفة والقدر الكذاب، وجاعلةً منه وسيلة لتحقيق رغباتها الدنيئة، وضاربةً إياه على فراش اللاإنسانية غير قادر على الحراك والنمو والتطور.

شفاء جسدي دون نفسي فقدان معنى، وفراش جديد أستلقي عليه، لأظن أنني في راحة لا أُحسد عليها، وأما شفاء نفسي فهو ما يجعلني أرتفع وأقف منتصباً حاملاً كل ما يعنيه فراشي من فشل وسجن وسقوط، وسائراً في طريق الحياة أصنعها وأعيد لها المعنى، لذلك قال يسوع: «يَا ٱبْني، مَغْفُورَةٌ لَكَ خطَايَاك!».

فلننتبه أحبتي إلى شفاء نفوسنا وقد منح الرب لنا الغفران، احملوا فراشكم واتبعوه، وكونوا على مثاله مغيّرين للمعنى، فالذي هو سبب سقوطكم يصبح علامة لشفائكم، كالصليب، الذي هو علامة موت وعار، أصبح مع يسوع علامة حياة وكرامة.

هذه الموعظة ليست إلا نظرة من زاوية مختلفة إلى نص إنجيل اليوم، وفي كل مرة نقرأ هذا النص في المستقبل سوف ننظر من زاوية أخرى وهكذا.