موعظة أحد القيامة 2018

لقد اعتدنا أن نفهم القيامة على أنها عكس الموت، وأنها نهوضنا من المرض والمشاكل والأزمات وإلى ما هنالك، كأن نقول عن الحاصل في بلدنا سوريا هو موت، وتوقف القتال وتحرير المناطق من المسلحين هو قيامة، ورددنا شعارات مع المسيح قام .. قيامة دمشق أو قيامة سوريا.. ومما لا شك فيه أن كل نهوض هو ممدوح ولكن لا يعني هذا النوع من النهوض القيامة التي أرادها يسوع..! إننا نخلط بين الأمور، فغالباً ما نميل إلى التخلص مما يؤذينا ويعكر صفو حياتنا ونصرخ بصلاتنا إلى الله أن ينجينا، ونعتبر أن هذا هو الدور الطبيعي لله ولنا، غير أن هذا هو الذي يُريحنا على المدى المؤقت والبسيط، ولا أرغب في اعتبار هذا الميل أنه غريب أو لا يليق، بل يجب أن نسعى إلى أن نكون بأفضل حال، ولكن يجب وضع الأمور في مكانها.

القيامة ليست الخلود، وليست الحياة بدون ألم. ,ولا هي زوال الجروح، وإلا لما رأى التلاميذ آثار المسامير والحربة في جسد يسوع. هي أشبه بعمل الصواب، وبمعنى آخر، هي أن نفعل ما تعنيه إنسانيتنا، أو أن نحقق تلك الإنسانية بكل أبعادها. إن القيامة هي الحالة الطبيعية للإنسان، إنه مدعو إلى تحقيقها، ولم يكن بمقدوره اكتشاف كيفية الحصول عليها أو حصولها، لذا كان يلجأ إلى استعارة بعض المفاهيم والقيم وكان يميل إلى استبدال المفهوم بالراحة الآنية التي يحصل عليها بعد عارض ما تعرض له،

نقرأ في أحد القيامة إنجيل القديس يوحنا الإصحاح (14)  حيث يتكلم يسوع عن سلامه الذي يستودعه لتلاميذه، وهو ليس كالسلام الذي يقدمه أو يعطيه العالم، وهذا يدلنا إلى حقيقة يريد منا يسوع أن نفهمها، هذه الحقيقة هي ماهية السلام الذي ننشده في حياتنا.

السلام الحقيقي هو صراع لإحقاق الحق، وعليه فكل من يتبنى هذا الحق ويعيشه، يدخل في هذا الصراع، وبالتالي يكون له سلام، إذا ثبت فيه. وليس السلام أن أحيا بلا ألم ووجع أو منغصات، بل حرب أشنها على ذاتي لأحققها. السلام هو الذهاب إلى الداخل واكتشاف الأعماق بعين بسيطة لا تشوبها مبررات الأنانية. وهو الذهاب إلى حيث يجب أن أكون، لا إلى أين أرتاح. فكأن يسوع يريد أن يقول أن هذا السلام الحقيقي الذي أعطيه هو القيامة. 

سلام العالم هو سلام يقينا من الألم، ولا يساعدنا إلا للتخلص من الأزمات، فإن كان هناك مجرم يقتل ويستبيح ويُكبّد خسائر جمة، نُحلّل الحكم عليه بالموت لنرتاح نحن، ونقول إنه خيرٌ أن يموت واحد عوضاً عن كل الشعب، إن ما نصنعه بالحقيقة هو أدوات نقتل بها بعضنا لنرتاح ونشعر بالاطمئنان والأمان، وما تطور الأسلحة إلى ذاك التعبير عن إحلال سلام العالم.

هذه القصة قديمة، قصة تطوير أدوات القتل، والصليب هو من بين هذه الأدوات المتطورة لعذاب الإنسان وموته، الصليب هو الوسيلة التي كان الناس يقتلون بعضهم بها، قَبِلَه المسيح وحوّلَه، فصار وسيلة حبٍ نُحيي بعضنا بها. أصبح الصليب مع يسوع موقف حب، لأن مصالحة يسوع مع ذاته أدت إلى اقتبال الصليب وتحويل المعنى وكشف ماهية السلام الحقيقي.

هنا نصل إلى المغزى، إلى بيت القصيد، فنحن أمام عملنا وأمام عمل الله، يقوم عملنا على استبعاد الآخر لنحيا بسلام، وعمل الله يقوم على استبعاد نفسه ليحيا الآخر بسلام.

إن كانت الطبيعة تعطينا درساً فلما لا نتأمله؟، الشجرة تعطي ثمراً من جنسها، ولكي تبلغ الثمر تجاهد وتقاوم، تموت إن صح التعبير، لتعطي. فإن قيامتها هي في إنتاج الثمر، وفي بقائها في المكان المناسب لها، فحيث يجب أن تكون، هناك تستطيع أن تأتي بثمر، لا في مكان آخر. فلماذا لا نُبقي إنسانيتنا في مكانها المناسب؟ ولماذا لا نجاهد ونقاوم لنأتي بثمر إنسانيتنا؟

إذن المطلوب الآن هو استبعاد المفاهيم الخاطئة التي ننسبها لقيامة يسوع وقيامتنا، فالقيامة تبدأ عندما أبدأ بالموت الآن، عندما أموت الآن عن المكان الغير مناسب لي، عن الأجواء التي لا تناسب الإنسان الذي أنا ذاهب إليه لأحققه، وعندما أموت عن أنانيتي. 

إنها رحلة الفصح، العبور، من العبودية إلى الحرية، وكل ما تعبّر عنه الأسفار المقدسة يتجه إلى هذه الغاية، التي هي الخلاص، وما الخلاص إلا التحرر، وما التحرر إلا أن أُقيم الإنسان الخام الذي يقبع في داخلي ينتظر.

المسيح قام .. أنا أقوم