الحكمة والفضائل الأدبية 

(الفطنة والعدل والشجاعة والقناعة)


في البداية لنقرأ بعض النصوص من الكتاب المقدس

الحكمة هي هبة من الله: "لأن الربّ يُؤتي الحِكمة ومن فمه العلم والفطنة" (أم 6:2).

لا شيء اغنى من الحكمة، ولا أمر أمهر من الفطنة: "إذا كان الغنى ملكاً مرغوباً فيه فأي شيء أغنى من الحكمة التي تعمل كلّ شيء؟ وإن كانت الفطنة هي التي تعمل فمَن أمهر منها في هندسة الكائنات؟" (حك 5:8-6).

إن الحكمة هي التي: "تُعلّم القناعة والفِطنة والبرّ والشجاعة التي لا شيء للناس في الحياة أنفع منها" (حك 7:8).

إنها فيض من غِنى نعمة المسيح (أف8:1) ومن الحِكمة الأزليّة: "لي المشورة يقول الرب أنا الفِطنة" (أم 14:8).

إذا كانت الحكمة هبة من الله فإنها لا تعفي الإنسان من العمل على اكتسابها: "اكتسب الحكمة، اكتسب الفطنة" (أم 5:4).

إن الخطوة الأولى في ممارسة الفطنة هي الاقتناع بواجب اكتسابها وبالتضحية من أجلها: "رأس الحكمة اكتسب الحكمة وبكل ما كسبت اكتسب الفطنة" (أم 7:4).

ومن الوسائل التي تساعدنا على اكتساب الحكمة والفطنة حفظ الوصايا: "اسمع... وصايا الحياة. اصغوا لتتعلموا الفطنة" (با 9:3).

 التعليق:

إنه من الفطنة أن تعرف أهمية عيش الفضيلة، ومن العدل أن لا تكون مع أحد ضد الله، ومن الشجاعة أن تجاهد وتدافع عما ميزته وعن العدل الذي تعيشه، ومن القناعة أن تقبل ما تُمليه عليك الفضيلة من أمور تخص العلاقة مع الله والقريب ونفسك.

لقد اختبرت الكنيسة، على مر العصور، أهمية هذه الفضائل بعيشها لها، ووعت أهميتها بكونها قاعدة أساسية لعيش الفضائل الإلهية، فهي التي تمنح إمكانية الانفتاح على عمل الله في النفس البشرية، من خلال إيمان النفس بالله ورجاءها به ومحبتها له.

فكما أن الفضائل الإلهية مصدرها الله وتهدف إلى الشراكة والعلاقة معه، كذلك الفضائل الأدبية، فهي ترسخ إمكانية التغيير والتجدد النفسي للشخص البشري على ضوء العلاقة مع الله. بمعنى آخر، أي أنك تعيش الفضائل الأدبية لأنك تؤمن وترجو وتحب الله، وهي تساعدك للاتحاد مع الله والعيش بحسب مشيئته.

تبين الصورة التالية هذه العلاقة بين الفضائل الإلهية والأدبية:

رسم توضيحي لفكرة الارتباط بين الفضائل الإلهية والفضائل الأدبية

شرح الصورة:

المثلث يمثل دائماً الله المثلث الأقانيم، الإيمان والرجاء والمحبة، والدائرة داخل المثلث تمثل الأرض بجهاتها الأربعة، الفطنة والعدل والشجاعة والقناعة، فالله يحيط بالأرض التي ترمز إلى البشرية كلها، وهي داخله ولا يمكن أن تحيا خارجه.

نحن ( البشرية ) نمر بدورة حياة كاملة، كالأرض، فيها موت وحياة، انتقال من ظلمة إلى نور، من برد إلى دفء إلى اعتدال بالحرارة وفتور، وكل هذا ضمن إطار ثالوثي يظهر جلياً من خلال الإيمان الذي عبر عنه الكتاب المقدس وهو الذي كتب بوحي من الله، وعندما تؤمن ترجو، في حياتك على اختلاف تبدلها وتغيرها ودورتها، الله الذي هو ضامن الحياة ومصدرها وهدفها، وعندما تؤمن وترجو تُحب، في كل مسار من مسارات الدورة الحياتية، الله الذي هو موضوع الحب الأول والأخير، فهو البداية والنهاية.

في الفطنة: قد تقود الحكمة البشرية الإنسان ليكتسب مهارة في كسب عيشه أو تنجيته من مأزق ما، أو أن يسهر على نفسه ويجتهد ليصل إلى مركز مرموق في العمل أو المجتمع، فبينما تتراوح هذه الحكمة بين الوسائل السلبية والإيجابية، للوصول إلى الغاية المرجاة، تفعل الفطنة فعلها في توجيه حكمة الإنسان البشرية إلى نيل الحكمة الإلهية التي هي أسمى وأفضل بكثير لأنها ترى بعين الله ما يجب فعله وما يجب الابتعاد عنه، وتجعل الإنسان يسعى من خلال كل أعماله ليطبق وصايا الله ومن خلالها يكون معه العلاقة اللازمة لخلاص نفسه، حيث أن خلاص النفس هو الغاية المرجوة .

في العدل: ليس المقصود بالعدل هنا ذلك الإنصاف في الأمور الاجتماعية والاقتصادية، فهذا تحصيل حاصل ونتيجة لعيش العدل الأساس، الذي هو إرجاع الحق لصاحب الحق. وفي إيماننا المسيحي لا نستطيع عيش الفضيلة دون الرجوع إلى الله، فمن العدل أن نرجع الحق إلى الله. عندما نؤمن بالله، نؤمن أيضاً بأنه هو خالقنا ومصدر حياتنا، وقد خلقنا على صورته ومثاله، ونؤمن بأنه عندما سقط الإنسان في الخطيئة وابتعد عن العلاقة والشراكة مع الله، فقد حقه في العيش في الفردوس، وفقد الله حقه بأنه هو الأول بين كل اهتمامات الإنسان. لذلك عيش هذه الفضيلة يتمحور حول إرجاع الحق لله، الذي هو بدوره سعى من خلال التضحية بابنه لإرجاع حقنا في الشراكة معه وإعادة الصورة التي خلقنا عليها.

في الشجاعة: ترتبط هذه الفضيلة مباشرة بفضيلة الرجاء، فبدون الرجاء المسيحي لا يقوى الإنسان على التطلع إلى الحياة الأبدية على أنها الهدف النهائي لحياته. إن الإنسان يخاف ويخشى على ذاته من التدهور، وهذا يحصل عندما لا يكون الله هو موضوع الإيمان.

إن الإيمان بالله يجعلنا ننقل الجبال، فإن كان الله معنا فمن علينا. لولا هذا الإيمان القوي والثابت لما استطاع الرسل أن يؤدوا الشهادة بالقول والفعل لعمل الله في حياتهم. من هنا، الشجاعة هي التي تُثبت الإيمان، وتعطي القدرة على عيشه رغم الظروف المضادة له، إن كانت هذه الظروف مادية أو معنوية أو اجتماعية أو سياسية... وأيضاً تجعلنا ندافع على ما نقتنع به.

في القناعة: نقول القناعة كنز لا يفنى، وهذا في مجتمع بات استهلاكياً بامتياز، ويريد الإنسان أن يحصل على كل شيء، بأي طريقة كانت لا يهم، المهم هو ما أغتني به. وهنا نقول لم يأخذ أحد معه شيء. إلا أن القناعة كفضيلة مسيحية لا تقف عند هذا المفهوم فقط، بل تذهب لترى أن ما يملأ حياتها ويغنيها هو الله.

القناعة هي على علاقة بين كل الفضائل، تقتنع بإيمانك، وترجو قناعاتك، وتُحب ما أنت عليه، وتعيش العدل عندما تقتنع بما لك وتترك ما لغيرك، وشجاعتك دافعها الأول هو قناعتك بمبادئك، وتميز الخير الأسمى من خلال الفطنة التي توجهك نحو الهدف الذي هو الله.

بعد اكتشافنا للتكامل العميق بين جميع الفضائل، لا يمكننا أن نفعل هذه ونترك تلك, ولا يمكننا أيضاً أن نفعلها كلها بغير نظام، لذلك نحن بحاجة إلى حكمة، تجعلنا نُقدّر متى وكيف وأين نفعل الفضيلة في حياتنا .

يقول قداسة البابا شنوده الثالث: " من الأخطاء الشائعة أن يُركِّز البعض على فضيلة واحدة بحيث تتناقض مع فضائل أخرى لازمة. بينما الحياة الروحية ليست مُجرَّد فضيلة معينة، ولكنها حياة تشمل الكل. وكتاب اللَّه لا يُقدِّم لنا وصية واحدة نحيا بها، إنما وصايا عديدة كل منها لها أهمية ".

نستطيع اكتساب الحكمة بارتباطنا بالله، وذلك عبر المعرفة والاختبار، ومن خلال الضمير الحي الذي يوجه دائماً إلى الخير الأسمى، ومن خلال الصلاة التي تفتح القلب وتربي العقل وتجعل الروح القدس يعمل فينا بحسب مشيئته.

من الحكمة أن نصلي، ومن الحكمة أن نسعى لمعرفة الله أكثر، من الحكمة أن نرجو ونحب ونميز ونحيا بقناعة وشجاعة وعدل. فالسعي إلى اكتساب الحكمة الإلهية لهو من الفطنة التي تجعلنا نختار النصيب الأفضل.

صلاة(من صلوات القديس أغسطينوس)

إلهي ليتني اعرفك، يامن انت تعرفني، ليتني اعرفك يا قوة نفسي اكشف لي عن ذاتك يا معزي نفسي، ليتني أعاينك يا ضياء عيناي أسرع يا بهجة نفسي لأتأمل فيك يا سرور قلبي، ألهمني حبك فأنت هو حياتي اشرق على، ففيك يكمن فرحى الحقيقي، فيك عذوبة راحتي فيك حياتي، فيك كمال مجدى ليتني اجدك يا شهوة قلبي، ليتني اقتنيك يا حبيبي، لا تترك أحضاني ايها العريس السماوي، فعند حلولك ينتاب كياني كله، داخلي وخارجي، نشوة فائقة علويه. هبني ذاتك ايها الملكوت الأبدي، حتى اتمتع بك ايها الحياة المبارك، يا تهليل نفسي غير المدرك.

أحبك يا رب يا قوتي الرب صخرتي وحصني ومنقذي، نعم أعنّي كي احبك، فأنت هو إلهي انت حاميَّ، انت حصني المنيع انت رجائي العذب في وسط ضيقاتي. آمين