معنى أن تكون الكنيسة واحدة 


المقدمة 

بطلبٍ من السيدة ميرنا الأخرس، وهي من تلقت رسالة الوحدة، وصار بيتها مزاراً عالمياً في دمشق، في منطقة الصوفانية-باب توما، كتبت هذه الصفحات، لأجيب على سؤالها، ما معنى أن تكون الكنيسة واحدة.

انطلقت من صلاة الرب يسوع الكهنوتية، كما نسميها، لألقي الضوء على ما نقوله في قانون الإيمان، وهو أننا نؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، ومن ثم عرضت معنىً عن الاندماج والاختلاف، فتحدثت به عن فرادة الشخص البشري ووحدة الإنسان الشخصية، ويؤول بنا هذا المعنى، لندرك أن الحبّ هو كل شيء. ومن بعد ذلك، انتقلت بكلامي للحديث عن ضرورة التمييز والانتقال من همّ وحدة الكنيسة الذي يشغلنا على مرّ العصور، إلى همّ الكنيسة الواحد، حيث سنفهم ما معنى وحدة الكنيسة الحقيقي.

على هذا أوضح، أن هذا الجواب لطلب السيدة ميرنا الأخرس، ما هو إلّا حديثٌ أولي، يميل لأن يكون تفكيراً شخصياً، ولكنه بنفس الوقت، عميق ويحتاج إلى تروي في القراءة والتفكير.

أشكر السيدة ميرنا الأخرس على سؤالها، وعلى ثقتها بي، وعسى أن يكون جوابي هذا فاتحةً لسلسلة من الأسئلة، لكيلا نتوقف عند هذا الحدّ، فإنه لا يكفي.

محتويات هذا المقال:

المقدمة

أولاً: صلاة يسوع الكهنوتية

  1. كنيسة واحدة
  2. كنيسة جامعة
  3. كنيسة مقدسة
  4. كنيسة رسولية

ثانياً: من الاندماج إلى الاختلاف نحتاج إلى الحبّ

  1. فرادة الشخص البشري
  2. وحدة الإنسان الشخصية
  3. الحبّ هو كل شيء

ثالثاً: الانتقال من همّ وحدة الكنيسة إلى همّ الكنيسة الواحد

  1. همّ وحدة الكنيسة في الواقع
  2. همّ الكنيسة الواحد ما هو؟

الخاتمة

†††


أولاً: صلاة يسوع الكهنوتية

نقرأ في إنجيل القديس يوحنا (17: 1-26) صلاة يسوع الكهنوتية، التي يسأل فيها الآب أن يمجده، ويسأله أيضاً أن يحفظ الذين أعطاه إياهم، ويطلب أن يكونوا واحداً كما هو والآب واحداً، وفي الآية (21) يبدأ يسوع بقوله: " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ الْعَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي"، وفي الحقيقة هذه الصلاة تأتي في الليلة التي فيها سيبذل يسوع نفسه ويُقدِم على عمل المصالحة بين الله والإنسان، من خلال ذبيحة نفسه.

فإذاً صلاة يسوع لها بُنيَةُ الغفران، طالما أنّ الوقت الذي فيه يصلي هذه الصلاة، يتزامن مع عيد الغفران لدى شعب العهد القديم. وهذا يقودنا لنفهم إطار هذه الصلاة، مما يعني أيضاً، أنه يقودنا في الوقت نفسه، لنعيد فهم جملة يسوع التي تخص التلاميذ في أن يكونوا بأجمعهم واحداً. أي أن علينا أيضاً فهم ماهية الوحدة الكنسية، وبالتالي علينا أن نعود إلى الجذور، إلى الأصل، وخاصة أنّ ما نفعله اليوم في إطار الصلاة من أجل وحدة الكنيسة، يتضمن فقط أن ندعو إلى وحدة الجسم الكنسي، دون أن نتطرق لموضوع الغفران الذي حققه يسوع من خلال بذله لنفسه في سبيلنا.

لا صلة لنا في الله إلّا بيسوع المسيح، ولا صلة لنا بيسوع المسيح إلّا في الكنيسة، والكنيسة نشأت وبدأت في أصل كيانها، من الإيمان بقيامة الرب يسوع المسيح من بين الأموات. وكان التلاميذ هم الشهود على هذه القيامة، ومن إيمانهم بدأت مسيرة الكنيسة، ولكي نُعرّف الكنيسة تعريفاً أساسياً، يكون بمثابة تعريف شامل، يضع الأمور في مكانها، نقول إن الكنيسة هي الرغبة في المحافظة على تلك الشهادة الأولى لقيامة الرب يسوع، في جماعة تُنظم أمورها.

يقول القديس إيريناوس، على غرار كثير من القديسين، "صار الله إنساناً لكي يصير الإنسان الله"، وبنفس المعنى نستطيع أن نقول: "صار الله مسيحاً لكي يصير المسيح كنيسة"، وهذا يعني، أن المسيح يأخذ بعداً يطال البشرية كلها، فلا يتوقف تجسد الله عند يسوع المسيح، الذي أتى منذ أكثر من ألفي عام، بل الله يتجسد في الجسم البشرية كله، والهدف الحقيقي لله، هو الاتحاد بالبشرية كلها، وهذا الاتحاد هو ما نسميه الكنيسة.

لذلك كلمة (كما) هي المفصل في صلاة يسوع الكهنوتية، فلكي نكون واحداً علينا أن نكون (كما) الله ويسوع واحداً. وكما أن الله ويسوع واحداً هكذا الجسم البشري كله مدعو للوحدة مع ذاته ومع الله، لأن، كما قلنا، يأخذ المسيح بعداً يطال الجسم البشري برمته.

الجسم البشري كله؟ هذا يثير تساؤلاً، هل كل الناس هم الكنيسة؟، هذا يدعونا لأن نُعلن حقيقة كامنة في إيماننا المسيح، لا ننتبه لها في خضم الحياة اليومية للكنيسة، ألا وهي: ليس المسيحي فقط من كان معمّداً، لأن بتدبير الله الأساسي بحسب يسوع المسيح، كل البشرية مدعوة للاتحاد بالله. وبالتالي تصبح المعمودية التي ننالها، بعد إيماننا بيسوع المسيح، تلك الكنيسة المنظورة، التي نعرفها. أما الجسم البشري، فهو الكنيسة الغير منظورة، والمدعوة في آن معاً، لذلك الاتحاد الإلهي البشري. وما كلمة (ملكوت السماوات)، إلّا ذاك التعبير المهذّب الذي نستخدمه عندما نتكلم عن انتماء جميع البشر إلى الكنيسة، وخاصة أنّ العقلية الطائفية والمذهبية تحول دون كشف هذه الحقيقة، لأن الرفض المذهبي يكون أول عقبة تجاه إعلان هدف ومقصد الله.

هذا المفهوم يأخذنا إلى حقيقة أخرى، وهي أن الكنيسة (الجسم البشري) تصبح تلك الدعوة إلى التأليه، وهي، أي الكنيسة، تعني قبول التأليه الذي سمح به الله من خلال ابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح عندما تجسد، فغاية تجسد الله هو تأله الإنسان، كل الإنسان، وكل إنسان.

إن الكنيسة إذاً، هي سر محبة. على المدى المنظور قد تأخذ الكنيسة (جماعة المسيحيين)، شكلاً لا يتوافق مع سر محبة الله، يجب أن نعترف بضعف المحبة فينا، لذلك نرى يسوع يوصي تلاميذه بالمحبة، فيقول: "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان فيكم حب بعضكم لبعض" (يوحنا 13: 35)، وهذه الوصية لا فرق بينها وبين ما نردده في قانون الإيمان، أي أننا نؤمن بكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، لأن المحبة ككلمة، يمكن لها أن تكون سطحية ومبهمة، أما عندما نقول إن الكنيسة هي واحدة جامعة مقدسة رسولية، فإننا نعني مباشرة سر المحبة.

  • 1. كنيسة واحدة

عندما نقول كنيسة واحدة، لا نقصد ذلك التعداد الرقمي، يعني أننا لا نقول إن الكنيسة واحدة لا ثانٍ لها، بل المعنى الأصيل لكلمة (واحدة) نجده في وحدة المحبة، تلك الوحدة المنبثقة من وحدة الآب والابن، وما الروح القدس إلّا تلك حركة الحب المتبادلة بينهما.

فعندما يقول يسوع أحبوا بعضكم بعضاً، يُضيف فوراً (كما أنا أحببتكم)، فمحبة يسوع لنا تنبثق، أولاً وأخيراً، من محبته للآب ومحبة الآب له، والمحبة هي عكس الأنانية التي تُفرّق وتُقسّم. لذلك تبقى وحدة الكنيسة غير كاملة إلى حد بعيد، لأنّ محبة الإنسان غير كاملة، أي تشوبها الأنانية، فما العمل؟

هنا يأتي الجواب من يسوع مباشرة، فبصلاته الكهنوتية، مع أنها تبدو بمضمونها أمنيات قد لا تتحقق، إلّا أنّ الحبّ والثبات بالله، كثالوث أقدس، الذي على الإنسان أن يتبنى هذه العلاقة بكل معاييرها، يضمن إلى حدٍ بعيدٍ جداً، التحرر من الأنانية، ويتوجه إلى المحبة التي تقود إلى الوحدة. فالوحدة لا تُرجى، وإنما تُصنع صناعةً، والإنسان هو معمل هذه الصناعة، لا الله.

  • 2. كنيسة جامعة

إنّ محبة الله غير خاصة، بعيدة عن التخصيص، فهي لجميع البشر في كل الأرض، على مدار كل الأزمنة، ومن هنا تأخذ الكنيسة معنى الشمولية، فكما أنّ سرّ المسيح يُجسد عطية الله، كذلك الكنيسة، هي السر الذي يُجسد عطية المسيح ذاته لكل البشر.

ومعنى أن الكنيسة هي جامعة (كاثوليكية)، أي أنها قادرة على الربط، في يسوع المسيح، كل البشر، على اختلاف ثقافاتهم وعروقهم وحضاراتهم، وهذا يتضح لنا منذ البداية، حيث حدث العنصرة، جَمَعَ كل المختلفين، وأصبحوا يفهمون لغات بعضهم المختلفة، وهم مجتمعون في العلّية.

من هنا، يجب عدم فرض أي ثقافة محليّة على ثقافة أخرى، فإن ذهبت المسيحية إلى أفريقيا، عليها أن تتكلم لغتهم وترقص معهم وتلبس لبسهم أيضاً، وإلّا، فإنها تتعرض لخطر إذابة المسيح فيها وتعطي العالم شكلها، في حين أنّ عليها أن تذوب هي في المسيح، حيث يجد كل إنسان ذاته كما هو.

إننا لا نرى كنيسة جامعة على أرض الواقع، بالرغم من أن أبناء الكنيسة، يُعلنون في قانون الإيمان، أنهم يؤمنون بكنيسة جامعة. فالحال أننا لسنا كنيسة واحدة جامعة، بل كنائس يسودها الفراق، وتعتبر كل كنيسة أنها تمتلك الحقيقة دون سواها، وأصبحنا ذاك العائق الكبير في وجه الإقبال إلى الإيمان، وأصبحت كنائسنا ذاك المكان القذر، الذي لا يرى فيها العالم سوى ذلك الطموح البشري إلى السلطة، وأصبحت الكنيسة لعبة حقيرة، في أيدي أولئك الذين، بحجة تسيير شؤون المسيحية المؤسسية، يؤلفون العقبة الأساسية، أمام روح المسيحية الحقيقية.

هذا الواقع، هو من صنعنا نحن، ورغم ذلك، فالكنيسة في إيمانها المتجذر والعميق، ستظل تعلن أنها كنيسة جامعة، لأن الهدف الأساسي لمؤسسها، هو الاتحاد بكل البشر، لذلك فالمسؤولية كبيرة جداً، وتقع على عاتق كل مؤمن، وفي الصدارة، أصحاب السلطة في المسيحية المؤسسية. 

  • 3. كنيسة مقدسة

الكنيسة مقدسة لأنّ المسيح قدوس، لا لأنّ الأشخاص البشريين قديسون، فالمسيح أتى إلى عالم خاطئ، وجَلَبَ معه قداسة الله.

لقد عبّر المجمع الفاتيكاني، بخجل، عن هذه الفكرة، حيث أنه اعتبر أنّ الكنيسة ليست مقدسة، وإنما هي كنيسة خاطئة، ويدل على ذلك، تاريخ الكنيسة لما فيه من نواقص بشرية.

ومن هنا تُعتبر الكنيسة ذلك الوعاء القذر، الذي يستخدمه الله، أي عندما نقول كنيسة مقدسة نعلن فوراً، أمانة الله، وبنفس الوقت، عدم أمانة البشر.

الكنيسة لا تُدنّس عبر الاتصال بالخاطئين، مثل يسوع عندما كان يُجالس الخطأة. فالقداسة ليست للأطهار فقط، بل دعوة لكل شخص منا. أي أن الكنيسة ليست كنيسة للقديسين والأطهار فقط، بل هي، بالضرورة، للخطأة أولاً.

إنّ اعتبار الكنيسة مقدسة يعود إلى قداسة الله، وإلى تلك المحبة التي أحبنا بها، لأن جوهر الإيمان بالله، هو قبول محبته، وبالتالي نقبل، نحن الخطأة، قداسته، ولا يخفى علينا أنّ الدعوة موجهة لجميع البشر، فكل إنسان هو مدعو للمشاركة في حياة الله نفسها.

من هنا نفهم، أننا عندما نعلن إيماننا بكنيسة مقدسة، فإننا نعلن تلك القدرة على التقديس، كأن نقول: كنيسة مقدِّسة بدل مقدَّسة. أي أن هذا الإعلان يكون بمثابة التذكير لدعوة الكنيسة، ألا وهي القداسة التي تأتي من الله.

  • 4. كنيسة رسولية

إن الكنيسة رسولية، لأنها تجعل من كنيسة اليوم وكنيسة الرسل، كنيسة واحدة. وبالتالي أن تكون الكنيسة رسولية يعني أن تكون أمينة ليسوع المسيح الذي أسسها.

كنيسة اليوم تتمتع بما كانت تتمتع به كنيسة الرسل من سلطان، أخذته من المسيح مباشرةً، أي أننا نحن اليوم نشكل امتداداً ليسوع المسيح وعمله في العالم.

على هذا فإن المحبة هي التي تميّز عمل الكنيسة، إن كان يصبّ في محبة المسيح أو لا.

المحبة هي معيار الكنيسة الأول والأخير، وأي سلطة كنسية (البابا، والبطاركة والأساقفة والكهنة)، لا تجعل هذا المعيار واقعاً تعيشه، فإنها ترفض عمل المسيح مباشرة. الكنيسة هي رسولية لأنهاجماعة تسودها المحبة.

أن تكون الكنيسة رسولية، هذا يعني أنها مُرسلة، إلى أين؟ إلى العالم، ولماذا؟ لكي يشاركوا محبة الله مع الجميع. هذا هو هدف الكنيسة الوحيد.

يأخذ هذا الهدف أشكالاً شتى على أرض الواقع، ربما مختلفة، وربما ناقصة، وربما لا تصل إلى التحقيق اللازم للهدف، رغم كل ذلك ورغم كل شيء، تبقى رسالة الكنيسة هي مشاركة محبة الله مع الآخرين. ورغم كل شيء، يبقى الله يستخدم أيدينا القذرة لكي يمنح العالم نفسه عن طريقها.

 

ثانياً: من الاندماج إلى الاختلاف نحتاج إلى الحبّ

الكنيسة، تأخذ وجه الشمولية، والجنس البشري برمته، معني بعيش الحبّ، وعندما يعيش الإنسان هذا الحبّ، فهو يسمح للآخر، المختلف عنه، بأن يكون فريداً ومختلفاً، والحبّ لكي يكون حبّاً حقيقياً، فهو يستمد كل معناه من الله الثالوث، فعلى مثال العلاقة بين الآب والابن والروح القدس، التي هي بدون أدنى شك، علاقة حبّ، هكذا على الجماعة البشرية أن تحيا في الحبّ.

1. فرادة الشخص البشري

  • في الحبّ نتجنب كل شكل من أشكال التفرد، بالمعنى السلبي للكلمة، فالتفرد مختلف عن الفرادة، التفرد فيه قوقعة على الذات، أما الفرادة فهي تدعو إلى احترام الشخص البشري، واحترام خصوصيته، فكل شخص بشري هو فريد. ولا نطرح فرادة الشخص البشري، فقط من جهة خلقه، أي أنه يتميز عن باقي المخلوقات، وإنما، وبالأكثر والأهم، نطرح هذه الفرادة من كون أن العلاقات البشرية – البشرية، يجب أن تتسم بالفرادة، من حيث أن كل إنسان، يتمتع بفرادته الشخصية، فهو إنسان حرّ.

  • على الانتماءات البشرية ألّا تُلغي ما في الإنسان من فرادة. والإنسان بانتمائه إلى جماعة معينة أو مؤسسة ما، يُعبّر عن حريته التامة، وأيّ فرض أو تقويض على الشخص البشري، يمحو حريته، وبالتالي فرادته، وعلى الجماعة أو المؤسسة التي ينتمي إليها الإنسان، أن تعمل على إتاحة كل الفرص أمامه، لكي يجد ذاته ويحققها، وأن تساعده على النمو في الحكمة والقامة والنعمة.

  • على الكنيسة ألّا تتفرد. فبالرغم من أنها تتشكل من الأفراد البشريين، إلا أنها، وبحسب دورها، هي موجهة إلى كل البشر، بحسب الدور الذي أراده الله لها. وبالتالي، فإن الكنيسة، بما لها من قوة جذب، بسبب انتمائها المباشر إلى الله، تسعى إلى تحقيق كرامة كل إنسان، حتى الذي يرفض الله.

  • إنْ كانت الكنيسة تتفرد، فلا داعي لوجودها أصلاً. فما الهدف إذا كان العلاقة مع الله هي علاقة تخص أحداً بحد ذاته؟ أو تخص مجموعة معينة بحدِّ ذاتها؟ "فلو لم يكن في الوجود سوى الله وجملة أفراد، لَما كان ثمة حاجة إلى المسيحية" (البابا بندكتوس السادس عشر، جوزيف راتسنجر، مدخل إلى الإيمان المسيحي، ص180).

  • هذا يعني، أنّ الشخص البشري يحتاج إلى الاندماج، التاريخي والمجتمعي، لكي يُحقق ذاته على أكمل وجه، والاندماج التاريخي والمجتمعي لا يعني بالضرورة، إلغاء فرادة الشخص البشري، إنما يعززها، فأنْ يختار الإنسان انتماءه، هذا يدل على حريته وفرادته، وهو بهذا يتبنى فكر الجماعة التي انتمى إليها، وأشكال الحياة التي تعيشها.

  • قد نقول إن الاندماجية قاتلة، وأنّ على الوحدة الكنسيّة ألّا تتحقق بالاندماج، وهذا صحيح، ولكن، على مستوى الحبّ، يُصبح الاندماج نوعاً من تبني فكر أو حالة أو طريقة حياة، دون المساس بالهوية الشخصية، ويأخذ الاندماج معنىً آخر تماماً، يطال الله مباشرة. فالله صار إنساناً، اندمج في إنسانيتنا، أخذ كل شيء فينا، لكنه يبقى الله المتجسد، هذه فرادته.

  • وهنا عندما نتحدث عن وحدة الكنيسة، التي هي، قبل كل شيء، وحدة في الحبّ الذي يأتي من الله، فإننا نفترض جدلاً، أنّ كل (الكنائس) مدموجة، إن صح التعبير، بالله. فأنْ يُصبح هدف كلّ كنيسة هو ما يريده الله، فهذا يعني الاندماج في عمل الله، وهي بذلك تحقق أن تكون يد الله في العالم. وهذا يأخذنا إلى معنى الوحدة الحقيقي.

  • أن أكون سوريّاً، أي أنتمي إلى الوطن سوريا، هذا يجعلني مُكوِّن أساسي في المجتمع السوري، والاندماج في القضايا الوطنية مَهَمَةٌ مُلّحة وضرورية، ولا بدّ منها، وفي الوقت نفسه، اندماجي هذا، لا يُلغي، وعليه ألّا يُلغي، هويتي الشخصية وفرادتي ككائن بشري، وبالتالي، فرادتي في أن أنتمي إلى الجماعة التي، من خلالها، أستطيع أن أحقق إنسانيتي على أكمل وجه.

  • الذين يسكنون مدينة دمشق، هم سوريون، كما هم الذين يسكنون كل مدينة وكل شبر من هذا الوطن، حتى الذين هم في الصحراء والبراري، كلهم سوريون. وبنفس الوقت، تختلف اللهجات والثقافات والعادات والتقاليد، هناك ما يميّز كل منطقة، وهناك ما يميّز كل انتماء، ويعني هذا أنّ الاختلاف لا يعني الخلاف، بل إنه يولّد الائتلاف.
  • إذا تطابق اثنان، أو أكثر، تماماً في كل شيء، فأحدهما لا ضرورة له.
  • علينا أن نندمج دون انصهار، وأن نختلف دون خلاف.

  • هكذا الكنيسة، عليها أن تندمج في كل مجتمع حسب هويته الخاصة، دون أن تفرض شكلها، فشكل الكنيسة في مدينة دمشق، عليه أن يختلف عن باقي المحافظات، والعكس صحيح. وشكل الكنيسة السورية لا يُشبه ولا يجب أن يُشبه، كنيسة لبنان مثلاً، وهكذا في كل الأرض. ولكن من الضروري المحافظة على الهدف، فنشر الحبّ الذي هو هوية الكنيسة، بحسب مَن تؤمن به، هو ما يُحدد أصالة تلك الكنيسة.
  • لأن الإنسان فريد، فهو حرّ، ولكنه ليس حرّاً بالقدر الكافي، إذ أنه، داخلياً، غير مُوَحَّدْ.

  • 2. وحدة الإنسان الشخصية

  • يقول القديس بولس الرسول: "الخير الذي أريده لا أفعله والشر الذي لا أريده فإياه أفعل" (رو 7، 19)، هذا التعبير يشرح كم أن الإنسان مُعقد ويصعب عليه أن يتحد في ذاته، وهنا لا نتكلم عن التوحد كمصطلح في علم النفس، الذي يدل على مرض نفسي، وإنما نتكلم عن وحدة الشخص البشري الداخلية.

  • هناك صراع في داخل الإنسان، بين ما يريد وما يحتاج، أي بين الرغبة والحاجة، وهنا موضوع الحاجة يختلف عن الرغبة، رغم أننا في بعض الأحيان، نلقى صعوبة في الفصل بينهما، فالحاجة تولد من نقص معيّن، مثلاً العطش، عندما أكون عطشان فأنا أحتاج الماء، وعندما أشرب، أروي ظمأي، تتوقف هذه الحاجة إلى الماء، بما أنني لم أعد عطشان.

  • إذا اعتمدنا على الحاجة فقط في حياتنا، فإننا نفقد الحبّ، الذي هو الرغبة في الآخر، وليس الحاجة له. فمثلاً عندما نصلي عن حاجة، فنحن نتواصل مع الله فقط لسدّ نقص ما في حياتنا، وعندما لا يكون لدينا أي نقص، فإننا لا نتوجه إلى الله، أما الرغبة تجعلني أندفع إلى الله حتى ولو لم يكن لديّ أي نقص، فألقى الله على أنه المحبوب المرغوب به في أعماق قلبي. وبنفس الطريقة ونفس الكلام ينطبق على الآخرين.

  • هذه الوحدة الشخصية لا تتحقق إلّا عن طريق الارتباط بالآخر، وهذا الآخر الذي أرتبط به هو ما يجعلني أجد نفسي. وبكلام آخر، أنا مرآة الآخر، والآخر مرآتي، أنا أريه مَن هو وهو يُريني مَن أنا، فإنْ تكلمنا عن الآخر على أنه الإنسان، فقد نقع في الانفكاك النفسي، حيث أن هذا الإنسان، الذي هو مرآتي، لا يُريني مَن أنا في حقيقتي، بل يُريني واقعي، وواقعي منقسم، ومليء بالتناقضات. وإنْ تكلمنا عن الآخر على أنه الله، فحينئذٍ أرى ما يجب عليه أن أكون، أي أرى حقيقتي التي عليّ تحقيقها، إذ أنني أحقق كل كياني الإنساني العميق في الله، وهذا يتطلب عدم الانطواء على الذات، وبمعنى آخر، أجد نفسي بقدر ما أستطيع تجاوزها، ومن هنا كلام الإنجيل يجد صداه عندما تكلم يسوع عن حب الذات وإهلاكها: "من أحبّ نفسه فهو يُهلكها، ومن أبغض نفسه فهو يجدها" (يوحنا 12: 25).

  • وحدة الإنسان الشخصية تتطلب الانفتاح على الآخر، أولاً الله، ومنه يستمد الإنسان وحدته الشخصية، التي لا يعتريها الانقسام، فالحب هو الانطلاق نحو الآخر. وثانياً الآخر الذي هو الإنسان، ومن الحب الذي نستقبله من الله، يعيش الإنسان وحدته الشخصية وتنعكس هذه الوحدة على الإنسان الآخر. فمن غير الممكن أن يتعاطى الإنسان مع الإنسان أخيه، من دون المرآة الأولى التي هي الله، والله لا يمكن له أن يكشف غير ذاته، والذي يكشفه الله في ذاته أنه محبة، وعليه فإن الحبّ هو كل شيء.

  • 3. الحبّ هو كل شيء

  • كشف الرب يسوع المسيح، أنه ليس إنساناً لذاته، بل هو إنسان لأجل الآخرين، ما نسميه نحن الحبّ، فالحبّ يبدأ "انطلاقاً من"، أنطلق أنا، إلى أين؟ إلى الآخر، ومن أجل ماذا؟ من أجله هو، لا من أجلي أنا.

  • على الصليب، وهو سرّ الحبّ الإلهي، نرى مشهد طعن الجنب بالحربة، الأمر الذي يأخذنا مباشرة إلى "آدم" في سفر التكوين (2: 21-24)، حيث خُلقت المرأة من ضلع الرجل، ليكونا جسداً واحداً (الآية 24).

  • الجنب المطعون بالحربة هو "جنبٌ مفتوح"، جنبٌ يستقبل الآخرين ليكونوا مع المطعون بالحربة واحداً.

  • هذا المشهد ليس قصصياً ولا يرتقي لمستوى الأسطورة، وإنما يُجسد بصورة كتابية، فيها من الوحي ما يكفي، ليُعلن بداية جماعة جديدة كليّاً، والدم والماء اللذان خرجا من جنب المصلوب، يُمثلان سر الجماعة الكنسية الجديدة، التي تُكوّن في سريّ العماد والقربان المقدس. لذلك فإن مؤسس الكنيسة، أعني الرب يسوع المسيح، أرادها سرَّ حبّهِ في العالم، وهذا هو الوجه الوحيد والنهائي للكنيسة.

  • لذلك يكون الحبّ هو كل شيء، وعليه فإن وحدة الكنيسة يجب أن تنطلق من الحبّ، ولا أعني هنا، الحبّ الذي نكنه لبعضنا البعض، مع أهميته، إلّا أنه لا يرتقي بنا إلى الوحدة المطلوبة، ولكني أعني ذلك الحبّ الذي نستقبله من الله، من خلال ابنه يسوع المسيح، الذي مات لأجلنا.

  • استذكار موت المسيح لأجلنا، يجب أن يكون حاضراً، فنحن لا نؤمن بإله عاش فقط في الماضي، بل إننا نؤمن بالأكثر بإله يعيش الآن معنا، في الحاضر، ومعه نفتح آفاقاً للمستقبل. هذا من شأنه أن ينقلنا من مجرد ارتباط عاطفي، فيه من الحنين ما يكفي، لأن يُبعدنا عن واقعنا، إلى ارتباطٍ حاضرٍ الآن، الأمر الذي يجعلنا "نؤنون – من تأوين، أي نجعل ما كان في الماضي حاضراً الآن"، عمل الله وبالتالي حبّه لنا وما فعل من أجلنا، وهذا يدفعنا إلى أن نحيا الآن حبّ بعضنا لبعض، بنفس الطريقة التي أحبنا بها الله، أي نحب بعضنا بعضاً لنفس السبب الذي أحبنا من أجله الله، وهذا ما أحبّ أن أسميه الوحدة. من هنا أهمية أن نعي، أنّ الوحدة الحقيقية هي وحدة الحبّ.

ثالثاً: الانتقال من همّ وحدة الكنيسة إلى همّ الكنيسة الواحد

إن عيش الحاضر مع الله، يفتح آفاق المستقبل، كما قلت سابقاً، فإن كنا نتحدث عن وحدة الكنيسة، كما لو أنها ليست حاضراً أو أنها لم تتحقق بعد، فإننا نعمل، مع الله، لأن تتحقق في المستقبل. ولكن يصحّ هذا الكلام شريطة أن نعي أن المستقبل هو الحاضر + ثانية، فليس المقصود المستقبل البعيد الذي لا نعرف عنه شيء، وإنما الحاضر الذي يقفز، في كل ثانية، ليكون مستقبل.

في الحاضر نحن نتأفف من واقع وحدة الكنيسة، وبين الوهم والحقيقة، تنشأ لدينا الهموم، فهناك همّ وحدة الكنيسة من جهة الاتحاد بين الكنائس الغربية والشرقية، وهناك همّ الكنيسة الواحد من جهة عيش الرسالة الأساسية التي من أجلها الكنيسة هي كنيسة. وهذا ليس لعباً على الألفاظ، فالفرق بين همّ وحدة الكنيسة وهمّ الكنيسة الواحد، هو ما سيحدد هوية أن نكون، كنيسة واحدة.

  • 1. همّ وحدة الكنيسة في الواقع

  • قد تسيطر علينا الأوهام وتثقلنا بالهموم، وبقدر ما تنجلي الحقيقة، تخف علينا وطأة الهموم، ونستطيع حينها أن نحدد هدفنا.

  • ما الذي نطلبه في الواقع؟ مثلاً وحدة تاريخ عيد الفصح، في أساسها ليست سوى مطلباً شعبياً، تقتضيه الحالة الاجتماعية لعيش العيد معاً. وبالرغم من أن الكنيسة عاشت إلى القرن الخامس أو السادس وحدة هذا العيد، إلّا أن المطلب هذه الأيام غير مفهوم إلى حدٍ كبير، فليس من الممكن الرجوع إلى الماضي، وإمكانية تحديد تاريخ محدد، متخطين الحسابات الفلكية لتحديد الاعتدال الربيعي، هو أمر مداه بعيد، وبحاجة إلى تنازلات جمّة. ومن جهة أخرى، إذا افترضنا أننا استطعنا بالفعل توحيد تاريخ عيد الفصح، فهل يعني هذا أننا اتحدنا؟ ما الذي يتغيّر على صعيد العمل الكنسي؟ لا شيء.

  •  نتداول كل سنة نفس السؤال، وبالتحديد عند اقتراب عيد الفصح، لماذا لا نحتقل معاً؟ وكان الحريّ بنا أن نسأل أين وحدتنا؟ أو أين نحن من وحدة الكنيسة؟

  • وبالرجوع إلى تأوين عمل الله في الحاضر، فإننا نرى أنّ كل جماعة مسيحية، وهذا طبيعي وصحيح وصحي، تحتفل سوية بعيد الفصح، بمعنى أنهم وبحسب زمنهم الخاص يؤنونون عمل الله في حاضرهم ومعه ينشدون المستقبل. وهذا لا يعني على الإطلاق أن الكنيسة منقسمة، فوحدة الزمن غير ممكنة، أقله على الصعيد الشخصي. فإن اعتبرنا أننا بالفعل حددنا تاريخاً لنُعيّد معاً، ألا يبقى لكل جماعة مسيحية أن تحتفل به على حدا؟ أي أننا لن نقترب أبداً من الاحتفال الفعلي الذي يتم الآن لنحتفل معاً في مكانٍ وزمانٍ موحدين. وما يزيد الطين بلّاً، هو عدم الشراكة بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، والمطلوب أن نوجد الشراكة أولاً وعندها نفكر بإمكانية تحديد الأمور المشتركة وكيف نعيشها.

  • مشكلة وحدة الكنيسة هي مشكلة انتماء، وليست مشكلة إيمان، هكذا يُفكر البعض. ولكن الإيمان هو الذي يُوجِد الانتماء، لذلك عندما نفكر في وحدة الكنيسة علينا الانطلاق من الإيمان لا من الانتماء.

  • الانتماء يُحدد ثقافتنا ولغتنا وحضارتنا. إلخ، وهنا لا نستطيع أن نعتمد على الانتماء في تفكيرنا عن الوحدة الكنسية. فلا تعني الوحدة إلغاء الانتماء، أو شطب ثقافة ما للدخول في الوحدة مع ثقافة أخرى، هذا مخالف لأدنى مفهوم للحرية ومناقض لاحترام كرامة الشخص البشري.

  • المتوهمون كثيرون، فالوحدة الكنسية تنطلق من الاختلاف كما أسلفت. فالكنيسة المحلية، تتصف بلغتها وليتورجيتها (طقسها)، ولأنها مختلفة بالانتماء، فهي تستطيع أن تُعبّر عن إيمانها انطلاقاً مم تتصف به، لا بإدراجها إلى انتماء آخر، يعتبره البعض أنه هو الصحيح وليس غيره. فإن تكلمنا عن الوحدة بين الكنيسة السريانية وكنيسة الروم الارثوذكس مثلاً، فلا نعني على الإطلاق أن تمحي الواحدة الأخرى، أو أن تُدمج بينهما الطقوس واللغة والليتورجيا، وإلا فإننا نعرض احداهما للزوال، وهذا فيه إضعاف للإيمان المسيحي، لا قوة.

  • الانتماء الوحيد الصحيح، هو أننا كلنا على اختلافنا، ننتمي، بحسب إيماننا، إلى الله الواحد.

  • المشكلة الحقيقية في عدم تحقيق الوحدة هي الإيمان، فإلى الآن تعتبر كل كنيسة أنها تمتلك الحقيقة كاملة، وإلى الآن معظم العقائد المسيحية تتبناها كنيسة وترفضها أخرى، إلى الآن لم ننظر إلى المسيح بطريقة صحيحة.

  • من يستطيع من الكنائس في العالم، أن يتجاسر ويشرح كيف يكون الإنسان مسيحيّاً؟ ومن يتجاسر ليقول هذا الإيمان قويم وهذا الآخر غير قويم؟ إننا إلى اليوم نحاول أن نفهم سرّ الإيمان كمحاولة طفلٍ صغيرٍ، يريد التقاط القمر بيده.

  • همّ وحدة الكنيسة عليه أن يتحوّل ليُصبح همّ استقبال الله في حياة الإنسان، والدخول في هذا السر شاق وصعب، ولكن لا مفر، فالإيمان في أساس تعريفه، هو استقبال الله في حياة البشر، وبالتالي، تبدأ الوحدة الكنسية أولاً شخصياً، عندما أتحد مع ذاتي، وثانياً عندما أفسح المجال لاستقبال الآخر في حياتي، وثالثاً في العمل الكنسي، وهكذا ننتقل من همّ وحدة الكنسية إلى همّ الكنيسة الواحد. أي لا نترك الله لنفتش عن طريقةٍ توحّدنا وبعدها نقدم هذه الوحدة له، بل بالأحرى، نتجه إلى الله الذي هو المصدر والهدف، ونستقبل الوحدة التي هو يعطينا إياها.

  • 2. همّ الكنيسة الواحد ما هو؟

  • لنسأل هذا السؤال: لماذا نحن كنيسة؟
  • الكنيسة لكي تكون واحدة، يجب أن يكون لديها همّ واحد. همّ مشترك. وهذا الهمّ المشترك نستطيع أن نلّخصه بهذه الجملة: "أن نُخبر العالم عن سبب فرحنا، وعن سبب رجائنا" (يمكن أن الرجوع إلى: 1 بطرس 3: 15). هذه الجملة هي الإجابة على سؤال لماذا نحن كنيسة؟

  • كلمة همّ نكرهها جميعاً، لا أحد يُحب الهموم، ولكن أن نحمل همّ إخبار العالم بسبب فرحنا، هو بالفعل همّ، فلكيلا يُجدّف على اسم الله بسببنا (رومة 2: 24)، علينا أن نعمل بجدٍ، لكي يُسبَّح اسم الله بسببنا، وهذا همّ يرتقي لمستوى المَهَمَة. ويصح أيضاً أن يكون هذا العمل بمثابة الشهادة التي نقدمها نحن المسيحيون للعالم.

  • همّ الكنيسة في نقل الفرح يصطدم بالظلم واللاعدالة والعنف والتشرذم والانفكاك الشخصي والعائلي والمجتمعي، إلى ما هنالك من عقبات تحوّل نظرنا عن الهمّ الأساسي، وتحول دون عيش الهدف الحقيقي. فمثلاً الفقر في مجتمعنا كثير، وهذا ما جعل الكنيسة تتحول إلى جمعيات إعانة، مع أنّ مفهوم الفقر في إيماننا المسيحي، يتعدى الفقر المادي، وعيشه مطلوب، أي علينا أن نفتقر لإيجاد مساحة للآخر، وبمعنى آخر، عندما نتكلم عن التطويبة الأولى: "طوبى للفقراء بالروح فإن لهم ملكوت السماوات"، فإننا نُعلن الافتقار من هذا العالم، ونتكلم عن الشوق والتوق إلى الله وإلى الآخر، لعيش المحبة.

  • أمام هذا الواقع في عالمنا، لا يسع الكنيسة إلّا أن تكون علامة رجاء، ومع ضرورة الغوص في الواقع لتحويله، فإن الهدف الأساسي للكنيسة هو إعلان حقيقة الإنسان وعلاقته مع الله. الكنيسة لم تبتعد يوماً عن معاناة الواقع البشري، وهي، أمام الأزمات الاقتصادية والسياسية، تساند الإنسان، لترفع من شأنه، وتدافع عن حقوقه وكرامته، وكل ذلك، لأنها تعي مسؤوليتها تجاه الإنسان الذي منه هي تتكون، وتفتح معه قلبها على الله لتستقبله في حياتها.

  • رغم ذلك، على الكنيسة، في خضم الصراعات البشرية، ألّا تنسى دورها في إعلان البشرى المفرحة، فهي مدعوة لأن تكون سبب الفرح في العالم، وهذا الفرح تستمده، مباشرة، من الذي قال: "أتيت لتكون لكم الحياة وتكون لكم أفضل".

  • همّ الكنيسة يتلخّص في نقطة واحدة لا ثان لها، أن تكون مثل معلمها الأول والأخير، الرب يسوع المسيح، الذي عاش بقوة لا مثيل لها، مبدأ "من أجل".

  • فالإيمان المسيحي يقتضي، أنّ الفرد يلتزم في أن يكون من أجل المجموعة، وكما أنّ الرب يسوع المسيح، التزم التزاماً كاملاً في أن يكون من أجل البشر جميعاً، هكذا الكنيسة، بكل أفرادها، تلتزم، في أن تكون من أجل البشر جميعاً.

  • الطوائف المختلفة التي تتكون منها الكنيسة، والمنتشرة في أرجاء الأرض، لا يمكن أن تحيا كينونتها لذاتها، فلإننا مسيحيون نحن نحيا كينونتنا من أجل الآخرين. لذلك كل الطوائف المسيحية، معنية في هذا الهمّ، ولا تستطيع أي كنيسة، أن تتنصل منه، وهذا في الحقيقة ما يوحدنا، أو، ما يجب أن يوحدنا.

الخاتمة

لا يمكن عيش الوحدة الكنسية إلّا في المحبة.

الوحدة ليست شكلية، بل إنها وحدة عمل، فلا توحيد اللغة ولا الطقوس ولا المباني ولا التاريخ. إلخ، هو المطلوب، بل وحدة النظر إلى ما ينظر إليه الله.

الوحدة التي أرادها الرب يسوع المسيح، وصلّى للآب من أجلها، تنبثق من علاقة الآب والابن بشركة الروح القدس، وهذه العلاقة ما هي إلّا محبة. فوحدة الكنيسة تُبنى وتتأصل وتُستَقبل من الله الثالوث. وهذا يعني، أن الكنيسة، التي تأخذ كل معنى وجودها من الله، تسعى مجاهدة، في الأرض، لأن تفتح قلب الإنسان، لاستقبال الله، فهذه هي مهمتها الأولى والأخيرة، والتي يجب أن تكون همها الأول والأخير وشغلها الشاغل.

بهذه الكلمات، أختم رؤيتي لموضوع الوحدة الكنسية، وأُقر وأعترف، بأنها أولية جداً، وهذا يعني، أنه لا بد من الإبحار في معاني الوحدة والمحبة، لكي نصل إلى مفهوم أكثر عمقاً.

هذا العمل لا يرقى لمستوى الدراسة، إنما هو إطلالة على بعض المعاني الأساسية في الإيمان المسيحي، المبني على الإنجيل، وهو رؤية شخصية، قد تتقاطع أو تتعارض، مع الكثيرين، لكن يبقى هناك ما يوحدنا، أقله فكرياً، وهو أننا مجتمعون حول الله المثلث الأقانيم والواحد في الجوهر، ومنه نأخذ جميعنا معنى وجودنا ووحدتنا ومحبتنا، فله الحبّ وله المجد، إلى الأبد، آمين.