النصوص الكتابية والمراجع:

في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية الفقرة (217) الله حقٌّ أيضاً عندما يكشف عن ذاته: التعليم الذي يأتي من الله «تعليم حقٍ» (ملا6:2). وعندما يُرسل ابنه الى العالم إنما يكون ذلك «ليشهد للحق» (يو37:18): «نعلم أن ابن الله قد أتى وآتانا بصيرةً لكي نعرف الإله الحقيقي» (1يو20:5).

وفي الفقرة (2465) – يؤكد العهد القديم أن الله هو مصدر كل حق وكلامه حق وشريعته حق «أمانته من جيل إلى جيل» (مز 119: 90)، وبما أن الله هو الصادق (رو 3: 4) فأعضاء شعبه مدعوون إلى أن يعيشوا في الحق.

وفي الفقرة (2466) – في يسوع المسيح ظهرت حقيقة الله الكاملة. إنه الممتلئ نعمةً وحقاً، «إنه نور العالم» (يو 18: 12)، «إنه الحق» (يو 14: 6).

وفي الفقرة (1778) – الضمير الأخلاقي حكم صادر عن العقل، يعرف به الشخص البشري الصفة الأخلاقية للفعل الواقعي الذي سيفعله، أو يفعله الآن، أو قد فعله. وعلى الإنسان، في كل ما يقول وما يفعل، أن يتبع بأمانة ما يعلم أنه قويمٌ وحقٌ، والإنسان إنما يدرك ويعرف رسوم الشريعة الإلهية بحكم ضميره. (هنا يمكن مراجعة الفقرات التالية بما يخص الضمير: من 1776 – 1794).

وفي الفقرة (1807) – العدل هو الفضيلة الأخلاقية، التي قوامها إرادة ثابتة وراسخة، إعطاء الله والقريب ما يحق لهما، والعدل تجاه الله يدعى «فضيلة العبادة»، وهو تجاه البشر، يهيئ لاحترام حقوق كل واحد […].

وفي الفقرة (2518) – تعلن التطويبة السادسة: «طوبى لأنقياء القلوب، فإنهم يعينون الله» (متى 5: 8 )، «أنقياء القلوب» يعنون من جعلوا عقلهم وإرادتهم في انسجام مع مقتضيات قداسة الله، خصوصاً في مجالات ثلاثة: المحبة، والطهارة أو الاستقامة الجنسية، وحب الحقيقة واستقامة الإيمان. وهناك رابط بين نقاوة القلب والجسد والإيمان.


من خلال ما سبق من نصوص كتابية ومراجع من كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، نكّون فكرة عن منهجية التفكير الذي سننهجه في موضوعنا هذا. فإن عنوان الموضوع أتى بترتيب معين وهو: ” الخيانة، الحق، الضمير والعدل “، ولكن لا يمكننا، برأيي الشخصي، أن نلمّ بهذا العنوان وتفاصيل كل نقطة منه بموضوع صغير أو بجلسة واحدة، لذلك أعدت ترتيب الموضوع دون الخروج عن كلمات العنوان وذلك بهدف توجيه الفكر لفكرة واحدة وهي عيش كل من الحق والضمير والعدل والخيانة وعلاقة كل منها بالله والقريب. فيصبح الحق أولاُ لأنه لا يمكن أن نعيش دون مرجعية حقيقية وشريعة تحكيمية، وثانياً الضمير لأنه هو المسؤول عن ثبات الإنسان في الحق، وثالثاً العدل لأنه ينتج من خلال حكم الحق والضمير، فكيف أكون عادلاً بدون ضمير وكيف أعيش العدل بكل شيء في حياتي بدون حق؟. ورابعاً الخيانة لأنها انعدام أو غياب أو حالة من حالات تغييب الحق، وطمس للضمير، وفقدان للعدل.

الإنسان يبحث دوماً عن الحقيقة، وقد حدد الكتاب المقدس هذه الحقيقة بأنها الله بالذات، فكلما كان الإنسان يبتعد عن ارتباطه بالله كلما وجد نفسه تائهاً وغير مستقر ومزعزع الوجود. ونجد أيضاً في العهد الجديد أن يسوع أتى «ليشهد للحق»، الذي هو الله بالذات، ووعى الإنسان أهمية الارتباط بالمخلص، الذي هو الصورة والمثال الحقيقي للإنسان الذي أراده الله الخالق في تصميمه وتدبيره الإلهي. ووعت الكنيسة أن هذا الارتباط هو المحرك الأساسي لوجودها، لا بل هو أساسها وبدونه لا تعني سوى مجرد جماعات صنمية.

ومن هنا، نحن الآن، أبناء الكنيسة التي تؤمن بالله الحق وبتدبيره الإلهي بيسوع المسيح، نجد أن سعينا للحق لا يكمل إلا به، وعلاقتنا ببعضنا البعض قائمة وراسخة بقدر ما لنا من علاقة متينة وصحيحة بالله.

لقد اتجه الإنسان، من خلال سير حياته، إلى أن يحدد شرائع ونظم ابتدعها هو بذاته، وهذا ما نسميه في بعض الأحيان ” الأعراف أو العرف “، قد يتأسس العرف على شريعة إلهية يعيشها الإنسان انطلاقاً من إيمانه وعلاقته بالله، وأحياناً كثيرة تختلط الأمور بسبب اختلاط الانتماءات الإيمانية للجماعات البشرية، وأحياناً أخرى أيضاً ترى ابتعاداً عن المبادئ الإيمانية بسبب الأحكام المدنية مثل فكرة الإعدام مثلاً.

تمثل فكرة الارتباط بالله “الحق” القاعدة الأساسية لكل مؤمن، ونحن منهم. إذا لا يمكن أن نؤمن بالله ولا نحيا بحسب من نؤمن به. لذلك تصبح هذه القاعدة راسخة في حياة المؤمن وفي فكره وعقيدته بحيث يكتسب كل ما يمكن أن يغذي هذا الارتباط بالله الحق، وعليه فإن الضمير هنا له تلك الأهمية في ترسيخ الانتماء للحق وفي تجنب ما هو ليس بحق.

نقول إن الضمير هو صوت الله في الإنسان. ولكن في الإنسان المؤمن، فكم هم الناس الذين لا يؤمنون بالله، فكيف هو حال ضميرهم؟ لذلك نرى أن الضمير، في حياة الإنسان، يجب أن يكتسب الحق ليملي على صاحبه ما عليه فعله وما لا عليه أن يفعله.

قد يتفق أن يكون الإنسان مؤمناً بالله، ولكن لا وجود لحقه أو شريعته في ضميره، بمعنى آخر مثلما توضح حالة أغلب المسيحيين اليوم، فالمسيحي اليوم ينتمي ويؤمن ويصلي ويعمل أعمالاً حسنة وفي هذا كله يقبل أحكاماً ويسلك سلوكاً مغاير لما يؤمن به. من هنا تأتي أهمية فضيلة العدل، بحيث تجعل من يعيشها أكثر ثباتاً في الحق، لأنه دائماً يُعيد الحق لصاحبه ويُرجع ما هو خاطئ إلى الصواب.

فمن العدل أن تصلي، ومن العدل أن نفعل الخير ونتجنب الشر، ومن العدل أيضاً عندما ننتمي إلى الله أن نكون على صورته ومثاله، وإلا، أي بدون العدل، تصبح العلاقة بالله هي علاقة مبنية على أن يقوم الله بتحقيق رغبات الإنسان لا أكثر ولا أقل وهذا قمة في الاستغلال وانتهاك الحق.

عندما لا يعيش الإنسان قراره في الارتباط بما يؤمن به، أو بمن ارتبط به، كحال الزواج أو التكرس لحياة رسولية كهنوتية أو رهبانية، يكون قد ابتعد عما هو حق إذا إنه باع ضميره ونكث وعده وأطاح بعدله، وهذا ما نسميه خيانة.

الخيانة هي فقدان للعدل وطمس للضمير وتغييب للحق.

قد تكون الخيانة في عالمنا هي أكثر ما يعاش على مستوى عالمي، خيانات الزواج في كل مكان، خيانات الدول في كل مكان، خيانات الموظفين تملأ الدائرات والمؤسسات، خيانات الكهنة والرهبان تنهش جسم الكنيسة من الداخل … إلخ، ولكن هناك من يعيش الأمانة وبجدارة في هذا العالم، هؤلاء مطوبون ويستحقون كل تقدير إذا يسيرون في عكس تيار العالم بمجرد أنهم يعيشون العدل، وضمائرهم حية، ويحيون كل يوم أكثر فأكثر في الحق الذي هو الله، فطوبى لهم.